في خضم أجواء انتخابات مجلس النواب الحالية، ينكشف المشهد المصري كما هو، بلا رتوش ولا أقنعة ولا محاولات لتجميل الواقع. مشهد يتجاوز كونه صراعًا انتخابيًا بين مرشحين، ليصبح مرآة صادقة لحالة مجتمعية أعمق، تكشف حجم التواطؤ الصامت مع الفساد، وقبول ممارساته كأمر واقع.
ما نشهده اليوم لا يقتصر على ظواهر مثل المال السياسي أو الوعود الانتخابية غير الواقعية أو التجاوزات داخل بعض اللجان، بل يعكس ثقافة تراكمت عبر سنوات طويلة، شارك في صناعتها المجتمع كله، بالصمت أحيانًا، وبالتبرير أحيانًا أخرى، وبالاعتياد في أغلب الأحيان.
الفساد الانتخابي ليس حادثًا عابرًا، بل امتداد لعقلية تتشكل منذ الصغر؛ طفل يتعلم أن التحايل طريق للنجاح، طالب يعتاد اختصار الطريق بالوساطة، موظف يبرر تجاوز القواعد خوفًا أو مصلحة، ومواطن يختار الصمت طالما لم يُمس الضرر بشكل مباشر. هذه السلوكيات الصغيرة، حين تتراكم، تصنع شبكة واسعة تُفرغ القوانين من معناها، وتُضعف قيمة النزاهة، وتُغري بالطريق الأسهل مهما كانت كلفته على المجتمع.
الناخب الذي يقبل المال السياسي، والذي يصدق وعودًا يعلم زيفها، والذي يلتزم الصمت أمام تجاوزات واضحة، يشارك – بدرجات متفاوتة – في استمرار المنظومة ذاتها. وكذلك المرشح الذي يعتمد على النفوذ والمال بدل الكفاءة والرؤية. المشكلة لا تكمن في فرد بعينه، بل في مناخ عام يمنح هذه الممارسات قبولًا اجتماعيًا ضمنيًا.
الأخطر أن الفساد لم يعد يُنظر إليه باعتباره خطأً فادحًا، بل تحول عند البعض إلى “مهارة حياتية” أو ضرورة فرضتها الظروف. وهنا يصبح الخلل أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا. منظومة كاملة أعادت تعريف الخطأ، وشرعنت الانتهاك، واعتبرت النزاهة استثناءً لا قاعدة.
في هذا السياق، تتحول العملية الانتخابية من أداة تعبير عن الإرادة إلى انعكاس مباشر لسلوك المجتمع. فكل صندوق اقتراع هو مرآة، وكل ورقة تصويت شهادة على مستوى الوعي والمسؤولية. وما لم يراجع المجتمع نفسه، ستظل الانتخابات مجرد إعادة إنتاج للواقع نفسه، مهما تغيرت القوانين أو الأسماء.
التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا يُفرض بقرارات فوقية فقط، بل ينطلق من الداخل: من اعتراف صادق بأننا جميعًا – بدرجات مختلفة – جزء من المشكلة. الاعتراف ليس إدانة للذات، بل بداية للإصلاح. المجتمع الذي يواجه أخطاءه يملك فرصة للتصحيح، أما الذي ينكرها فيظل أسير دائرة مفرغة من التبرير والتأجيل.
في الانتخابات الحالية، يصبح التغيير ممكنًا حين يقرر المواطن ألا يبيع صوته، وألا يقبل الرشوة، وألا يتغاضى عن الانتهاك مهما كانت الضغوط. حينها فقط يستعيد الصندوق معناه، وتستعيد الديمقراطية جوهرها.
القضية ليست في الانتخابات وحدها، بل في بناء ثقافة ترفض الفساد في تفاصيل الحياة اليومية، قبل لحظة التصويت. ثقافة ترى في النزاهة حقًا لا ترفًا، وفي القانون معيارًا لا عبئًا، وفي المواطن شريكًا لا سلعة.
“كلنا فاسدون” ليست اتهامًا، بل صدمة مقصودة، تهدف إلى كسر حالة الإنكار .. نعم، نحن ورثة منظومة معقدة من السلوكيات الخاطئة، لكننا نملك القدرة على كسر هذه الوراثة إن قررنا. التغيير يبدأ حين يقول الفرد “لا”، حتى وهو يعلم أن الطريق أصعب.
هكذا فقط يمكن أن تبدأ رحلة الإصلاح الحقيقي .. رحلة مواجهة الذات، قبل مواجهة الآخرين..










