بقلم: محمد الأسيوطي
تُعد كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية في العالم، لكنها – خلف الأضواء والإثارة – تواجه مخاطر خفية تهدد نزاهتها واستدامتها، ويأتي تضارب المصالح في مقدمتها.
هذا الخطر لا يظهر دائمًا بشكل مباشر، بل يعمل كـ«سرطان داخلي» يتسلل إلى القرارات الإدارية، والانتقالات، والعقود، بل وحتى التحكيم والرقابة، ما يؤدي في النهاية إلى تقويض الثقة في اللعبة وإضعاف مؤسساتها.
ومن هنا تبرز أهمية تسليط الضوء على مفهوم تضارب المصالح، وأشكاله، وتأثيره على كرة القدم، وما يجب الإفصاح عنه، إضافة إلى الآليات الدولية المعتمدة للحد منه ومكافحته.
تعريف تضارب المصالح
تضارب المصالح في كرة القدم هو الحالة التي يكون فيها شخص أو جهة مسؤولة لديها مصالح شخصية أو مالية أو تجارية أو عائلية، تتعارض مع مصلحة اللعبة أو المؤسسة أو مع مبدأ الحياد الواجب في اتخاذ القرار.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
- مسؤول في اتحاد كرة القدم أو جهة تنظيمية لديه مصالح مالية في نادٍ معين.
- وكيل لاعبين يمثل لاعبًا، وفي الوقت نفسه يمتلك حصة في شركة تملك حقوقه الاقتصادية.
- إعلامي يقدم تحليلات رياضية بينما يعمل لصالح نادٍ أو جهة راعية، أو يجمع بين الدور الإعلامي والمنصب الإداري.
- تعدد الملكيات، والذي يُعد من أخطر وأعقد صور تضارب المصالح.
ويمتد تضارب المصالح ليشمل أطرافًا متعددة، من ملاك الأندية وأعضاء مجالس الإدارات، إلى الإعلاميين، ووكلاء اللاعبين، والحكام، والمؤسسات الرياضية، والاستثمارات الرقمية، وحقوق البث، ولجان الانضباط والرقابة.
أشكال وصور تضارب المصالح في كرة القدم
أولًا: ملاك الأندية والمسؤولون التنفيذيون
- امتلاك أكثر من نادٍ في نفس الدوري أو البطولات القارية، بما يثير الشبهات حول نزاهة المنافسة.
- مسؤول تنفيذي يبرم صفقات تعود عليه بمكاسب شخصية أكثر من فائدتها للنادي.
- الجمع بين ملكية نادٍ ومنصة إعلامية أو التأثير في سياساتها.
ثانيًا: أعضاء مجالس الإدارة
- وجود مصالح تجارية مع أندية منافسة أو شركات رياضية.
- توجيه القرارات الإدارية لخدمة أهداف شخصية أو تجارية.
ثالثًا: الإعلاميون والصحفيون
- تغطية أو تحليل مباريات مع وجود علاقة مالية أو شخصية بأحد الأطراف.
- توجيه الرأي العام أو التحليل الفني بما يخدم مصالح خاصة أو جهات مرتبطة بهم.
رابعًا: وكلاء اللاعبين والشركات الاستثمارية
- سيطرة الوكلاء أو الشركات على الحقوق الاقتصادية للاعبين، وتوجيه الانتقالات وفقًا للأرباح وليس المصلحة الرياضية.
خامسًا: الحكام ومراقبو المباريات
- وجود علاقات شخصية أو مالية تؤثر على نزاهة القرارات التحكيمية.
سادسًا: المؤسسات والهيئات الرياضية
- مسؤولون تربطهم علاقات مالية أو سياسية بأندية أو شركات رياضية.
- لوائح داخلية لا تلزم بالإفصاح الكامل عن المصالح.
سابعًا: الاستثمارات الرقمية والحقوق الإعلامية
- تضارب المصالح بين جهات البث، والرعاة، والاستثمارات الإلكترونية المرتبطة بالأندية أو البطولات.
ثامنًا: لجان الانضباط واللوائح
- عدم الإفصاح عن صلات عائلية أو تجارية مع أطراف خاضعة للتحقيق.
ولا يمكن إغفال دور شركات التسويق، واللجان الإلكترونية، وشركات المراهنات، التي أصبحت محركًا رئيسيًا لشبكات تضارب المصالح داخل اللعبة.
أثر تضارب المصالح على كرة القدم
- المساس بمبدأ النزاهة والشفافية.
- فقدان ثقة الجماهير والمستثمرين.
- تفاوت فرص الأندية واللاعبين.
- الإضرار بالإيرادات التجارية والرعايات.
- الإخلال بمبدأ المنافسة العادلة.
الإفصاح المقبول وغير المقبول
ما يجب الإفصاح عنه ويُقبل:
- الملكيات الجزئية في شركات رعاية أو معدات رياضية.
- أي مصالح مالية أو شخصية مرتبطة بقرارات النادي أو الاتحاد.
- العلاقات المهنية السابقة المؤثرة.
ما لا يُقبل مطلقًا:
- إخفاء مصالح تؤثر على التحكيم أو الانتقالات.
- استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية.
- التلاعب باللوائح أو التغطية الإعلامية لخدمة مصالح خاصة.
كيفية مكافحة تضارب المصالح
لم يعد التصدي لتضارب المصالح خيارًا، بل ضرورة لحماية اللعبة، وذلك من خلال:
- لوائح صارمة تلزم بالإفصاح الكامل.
- شفافية مالية وإدارية.
- لجان رقابية مستقلة ومحايدة.
- برامج توعية وتعليم للمسؤولين.
- عقوبات رادعة تصل إلى الإيقاف أو الإقصاء.
الخلاصة
تضارب المصالح خطر داخلي صامت يهدد كرة القدم من جذورها. ومواجهته هي الطريق الوحيد لضمان نزاهة المنافسة، وقوة المؤسسات، واستعادة ثقة الجماهير، وبناء مستقبل كروي قائم على العدل والشفافية.













