تُقاس قوة الدول الحديثة بمدى عدالة منظومتها القضائية، فالعدالة ليست مجرد أحكام تصدر، بل منظومة متكاملة تبدأ من التشريع وتنتهي بحماية حقوق الإنسان أثناء تطبيق القانون.
وفي قلب هذه المنظومة يقف القانون الجنائي بوصفه أخطر القوانين أثراً على حياة الأفراد، لأنه يتعلق بالحرية والسمعة والمصير.
غير أن التطبيق العملي يكشف أحياناً عن فجوة بين النص والواقع؛ فالقانون قد يكون منضبطاً في صياغته، لكنه يحتاج دائماً إلى تطوير يواكب تطور المجتمع، خاصة في جانب ضمانات الدفاع..فالمتهم ــ مهما كانت التهمة ــ يظل بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم نهائي، ولا تتحقق هذه القاعدة إلا بتمكين الدفاع من أداء دوره كاملاً بلا قيود أو رهبة.
الجزار يكتب عن أركان العدالة
ومن هنا تظهر الحاجة إلى تعزيز الحماية القانونية للمحامي أثناء أدائه رسالته داخل جهات التحقيق والمحاكم.
والمحامي لا يدافع عن شخص بقدر ما يدافع عن مبدأ، ووجوده يمثل ركناً أصيلاً من أركان العدالة، لا تابعاً لها.. وكلما زادت حصانته المهنية، زادت قدرة القضاء على الوصول إلى الحقيقة بعيداً عن الضغوط أو التخوف من تبعات أداء الواجب.
كما أن تفعيل النصوص الدستورية الخاصة بتولي المحامين وأساتذة كليات الحقوق المنصة القضائية يمثل خطوة مهمة نحو عدالة أكثر عمقاً.. فالقاضي ليس مجرد حافظٍ للنصوص، بل صاحب خبرة إنسانية وقانونية واسعة، وتنوع الخلفيات المهنية للقضاة يثري الاجتهاد القضائي ويجعل الأحكام أقرب لواقع المجتمع وأكثر فهماً لتعقيداته العملية.
إن خبرة المحامي في ساحات المحاكم، وخبرة الأستاذ الجامعي في التحليل القانوني والتأصيل العلمي، تمثلان معاً رافدين أساسيين لدعم القضاء..وعندما يلتقي التطبيق العملي مع التأصيل الأكاديمي، تصبح العدالة أكثر دقة واتزاناً، وتقل الفجوة بين النظرية والواقع.
الجزار وضمان المحاكمة العدالة
إن تطوير القانون الجنائي لا يعني التشدد في العقوبة بقدر ما يعني ضمان المحاكمة العادلة، لأن العدالة الحقيقية لا تتحقق بإدانة المتهم فقط، بل تتحقق أولاً بالتأكد من أن جميع ضماناته قد احترمت.. فالدولة العادلة ليست التي تعاقب أكثر، بل التي تُحاكم أفضل.
ولذلك فإن إصلاح المنظومة الجنائية يبدأ من الإيمان بأن المحامي شريك للقاضي في تحقيق العدالة، وأن استقلال الدفاع ليس امتيازاً للمهنة بل ضمانة للمجتمع كله.. لأن أول من يحمي الأبرياء هو قانون عادل، وأول من يطبقه هو قضاء محاط بدفاعٍ حر وآمن..وللحديث بقية.











