يعترف القانون الحديث بما يُسمّى الشخصية الاعتبارية، وهي كيان غير بشري يمنحه القانون وجودًا مستقلًا عن الأفراد، بحيث تكون له ذمة مالية، وحقوق، والتزامات، وقدرة على التعاقد والتقاضي، والاستمرار رغم تغيّر القائمين عليه.
ولا يقتصر هذا الاعتراف على الوجود القانوني فقط، بل يحمّل الكيان مسؤولية اجتماعية وأخلاقية عن قراراته وتأثيره في محيطه..وهنا نسأل : مبادئ النادي الأهلي .. حقيقة أم شعارات؟
الأندية الرياضية كشخصيات اعتبارية
من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الأندية الرياضية باعتبارها مجرد فرق كرة قدم، أو جماهير، أو مجالس إدارات متعاقبة، بل هي كيانات اعتبارية مكتملة الأركان.
تخضع للقانون، وتمتلك لوائح داخلية، وتدير موارد، وتؤثر في المجال العام رياضيًا وثقافيًا وإعلاميًا.
ومن بين هذه الأندية، يبرز النادي الأهلي كنموذج تاريخي مؤثر، ليس فقط بحكم البطولات، بل بحكم الحضور المؤسسي والاجتماعي الممتد لعقود.
هل يمكن أن تمتلك الشخصية الاعتبارية مبادئ وأخلاقيات؟
من الناحية الفلسفية، الكيان الاعتباري لا يملك ضميرًا إنسانيًا، لكنه يتخذ قرارات، ويؤثر في المجتمع، ويراكم سلوكًا مستمرًا عبر الزمن ولهذا تُنسب إليه مبادئ وأخلاقيات بوصفها أنماط سلوك مؤسسي ثابتة، لا مشاعر أو نوايا فالأخلاق هنا لا تُقاس بالكلام، بل بالفعل المتكرو والمنظم.
قيم المؤسسات في عالم الشركات
يظهر الأمر نفسه بوضوح في عالم الشركات والمؤسسات، حيث تُعرَّف قيم الشركات (Company Values) بأنها المبادئ الأساسية التي توجه سلوك العاملين، وتشكل ثقافة المؤسسة، وتعمل كبوصلة لاتخاذ القرار، وتنعكس مباشرة على السمعة والاستدامة.
وتتمثل هذه القيم في: ثقافة داخلية تحدد طريقة التفاعل داخل المؤسسة ومع الغير مبادئ توجيهية مثل النزاهة والابتكار والمسؤولية الاجتماعية بوصلة سلوكية تميّز بين الصواب والخطأ في الممارسة اليومية
هوية مؤسسية يجب أن تكون ملموسة وقابلة للقياس، لا مجرد شعارات.
وهنا تجب التفرقة بين قيم الشركة بوصفها المبادئ والأخلاقيات المؤسسية، وقيمة العمل بوصفها الناتج الكلي للأداء مثل الأرباح ورضا العملاء وولاء العاملين.
ويمكن إسقاط هذا المفهوم على الأندية الرياضية، حيث تصبح اللوائح والممارسات الأخلاقية بمثابة قيم مؤسسية تحكم السلوك والقرار، لا مجرد خطاب دعائي.
الخط الفاصل بين المبادئ الحقيقية والشعارات
يمكن التمييز بوضوح بين المبدأ المؤسسي الحقيقي والشعار الخطابي.
المبدأ الحقيقي: مكتوب في اللوائح وله حوكمة واضحة
معروف ومحدد، لا خطاب عام عن الأخلاق الحسنة
مُلزم في القرار
يُطبّق رغم تغيّر الإدارات
غير مرتبط بأشخاص
له تكلفة وثمن
يترتب على خرقه محاسبة
مستقل وقابل للتطبيق الفعلي
أما الشعار:
يُرفع وقت الأزمات
غير محوكم
غامض ويُستخدم ككلام عام
مرتبط بأشخاص لا بمؤسسات
يسقط عند أول تعارض مع المصلحة
لا يترتب على خرقه أي مساءلة
تطبيقه مرهون بعوامل خارجية
الأهلي بين المبدأ والشعار
عند إسقاط هذه المعايير على حالة النادي الأهلي، يظهر مشهد مركّب..فالأهلي يمتلك إرثًا مؤسسيًا حقيقيًا من الانضباط الإداري والاستقرار النسبي مقارنة بغيره، وحافظ تاريخيًا على فكرة الكيان لا الفرد، واستمر رغم تغيّر الرؤساء والمجالس.
وفي المقابل، جرى في فترات مختلفة توظيف خطاب “مبادئ الأهلي”:
كدرع إعلامي
أو كأداة استقطاب جماهيري
أو لتبرير قرارات إدارية مثيرة للجدل
وهنا يظهر التناقض؛ فعندما تُستخدم المبادئ للدفاع عن القرار وأداء المسؤول، لا لضبطه، تتحول من قيمة مؤسسية إلى أداة خطابية وشعاراتية.
تفكيك خطاب “نادي المبادئ”
إن الخطورة لا تكمن في امتلاك خطاب أخلاقي، بل في:
تحويل هذا الخطاب إلى قداسة زائفة تُعطّل المساءلة
خلق شعور بالتفوق النوعي
استخدام الجماهير كحاجز يمنع السؤال
فالمؤسسات القوية لا تخشى تفكيك خطابها، بل تختبره باستمرار، ومن هنا تأتي الحاجة إلى تفكيك مصطلح “مبادئ النادي الأهلي” بدل التسليم به.
ويكون السؤال الحقيقي ليس:
هل للأهلي مبادئ؟
بل:
هل تُدار هذه المبادئ كالتزام مؤسسي، أم تُستدعى كشعار عند الحاجة؟
وهل وضع النادي الأهلي كنادٍ حكومي غير مستقل وغير استثماري يسمح له أصلًا بتطبيق مبادئه بحرية كاملة؟
في الرياضة الحديثة، وكذلك في العمل العام، الكيانات الاعتبارية لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تفعله عندما يصبح المبدأ عبئًا لا مكسبًا.
وهنا فقط، يتضح الفارق بين الحقيقة والشعار.
وأخيرًا، لا يُعتد في التقييم بنظرة المنتمين فقط، سواء للأهلي أو غيره، بل بتقييم الغير، لأن المبادئ الحقيقية لا تُقرَّر ذاتيًا، بل تُثبت بالممارسة والاعتراف العام.













