لقد تلامس أقلامنا موضوعات كثيرة نسكب فيها الحبر ولا نجد صعوبة بالكتابة فيها قد نرثي صديقاً وقد نبكي رفيقاً ويكون الأمر سهلاً في التعبير عن أحاسيسنا ولكن ماذا لو كان الراحل والداك؟ وكيف يكون أثر الفجيعة لو جاء رحيلهما في وقت متقارب؟
هنا يصبح جرح الحزن عصياً على الاندمال ويصبح القلم عاجزاً عن التعبير
ففي مثل هذا الشهر رحلت أمي ورحل معها الأمان ولا يتبقى لي سوى الذكريات وغدر الزمان فضحكاتها لازالت تعلو افاق المكان ولمساتها مازالت علي كل الجدران واعلم انها في مكان افضل بين يد الرحمن ولكن يؤلمني الفراق والحرمان ويراودني طيفهافي كل مكان واسمع فراشها يشكو من الهجران قلت له لا تبكي فنحن متواعدون في الاخرة عند الحنان المنان فانتكست رأسي وأسندت ظهري وأدمعت العينان فضمني الفراش وقال لا تبكي فقد رحمها الله من دنيا الذنوب والألام
اصبر وادعو الله لها بالرحمه والغفران وقد رحمها العزيز الرحمن
هكذا وجدت نفسي أعيش الوجع رحلوا عن الدنيا وذهب الدفء وانقطع صوت الدعاء وغاب باب الجنة وصمام الأمان في دنيا الابتلاءات كلماتهم كانت البلسم ودعواتهم كانت الشفاء وبيتنا كان الاستكنان ووجودهم كان الطمأنينة
نعم.. هكذا شاءت إرادة المولى عز وجل ولم نكن نعرف ما سيعقب ذلك من ألم فبينما نحن نكابد لنداوي الجراح فنحن لا نختار حياتنا ولا كيف ستكون نكبر يوما بعد يوم وكل يوم يحمل في طياته الكثير والكثير نقف على حافه الحياه يوما نختاره نحن وإيام يختارها القدر لنا
وعلى مرفئ ذكرياتنا نستعيد حياتنا المنسية فتغمر السعادة أرواحنا ونذهب إلى عالم لا نعرف فيه غير الحب وحنان المحبين الذين كانوا هم حياتنا الحقيقة ومصدر سعادتنا التي سلبت منا برحيل بعضهم عن دنيانا وجفوة بعضهم الأخر وانشغالهم عنا وتناسيهم لنا
آه ما احوجنا لتلك الذكريات الجميلة التي تجعلنا نشعر أننا لا زلنا على قيد الحياة وأن هنالك أمل شاحب يلوح من خلف الأفق البعيد وتفاؤل يداعب مخيلتنا ويدعونا لسعادة مرتقبة تنتظرنا وحبيب يتلهف شوقاً للقائنا فنتمسك بخيط الأمل ونبحر بزورق الحنين إلى ضفة السعادة المرجوة والفرح المخبئ في طيات أيامنا المقبلة
ولأننا نتحرق شوقاً لاستعادة جزء من حياتنا المنسية ننسى كل ما ينغص حياتنا ونحث خطانا غير أبهين بكل خناجر الغدر التي تمزق اجسادنا وتدمي قلوبنا على أمل أن نجد السعادة التي نرجوها فيما تبقى لنا من أيام حياتنا وهي أقل بكثير من ماضي عمرنا
فهل سنجد طريقنا إلى حياة تملؤها السعادة والفرح والحب والسلام أم ستبقى ما نحملها من ذكريات هي حياتنا وفي الحقيقة لا حياة لنا
لقد اجتمعوا في رحلة الحياة الدنيا ورحلوا إلى رحاب الله ليصبح الفراغ مهولاً ويصبح الوجع أقوى والجراح أعمق وانهمر شلال الدموع حتى جفت المحاجر وتعالت الصيحات حتى بحت الأصوات
ما يخفف وطأة الآلام أن الرحيل هو خطوة للقاء قادم فكلنا على الدرب سائرون وموعدنا آت لا محالة
هذا هو يقيننا الإيماني وتلك هي الثقة المطلقة في خالق الكون الذي وسعت رحمته كل شيء والذي سيجمعنا بإذنه تعالي في رحابه آمنين مطمئنين سعيدين
هذه الأيام تمضي بنا سريعاً والفراق يطرق كل باب فما أحوجنا جميعاً بالبر والإسعاد لمن رعونا وأغدقوا علينا من حنانهم وعطائهم حتى اشتد عودنا
مؤلم رحيل الأحبة ومحزن فقدان الأحبة والأصدقاء الأعزاء ما أصعبها من لحظات وما أشدها من مواقف تلك التي تحرك شريط ذكرياتك لتقلب لك المواجع وتجدد لك الأحزان وتعيدك إلى الوراء لتتذكر أحبة كانوا إلى جوارك وفي مفكرتك وفجأة ودونما أي سابق إنذار يتخطفهم الموت في عجالة دون أن تسمع لهم أنينمرض أو وجع حينها فقط يكون وقع هذا المصاب كبيرا ومؤثرا جدا ومن فداحة المصاب يختال لك بأن من غادروك في رحلة سفر وتعيش على أمل سرابي بعودتهم من جديد قبل أن تبعثر زيارتك لقبورهم هذا الأمل وتدرك بأن لا عودة لهم وبأن غيابهم نهائي وبلا عودة وتبقى الذكريات هي الوجدان الصادق الذي يسكن أعماق الإنسان لا يفارقه مهما تعاقبت الأيام وتبدلت الظروف إنها الحاضر المستمر لما غاب والظل الذي يرافقنا كلما حاولنا مواجهة الحياة بعد فقد من نحب
قد نكون في سبات عميق خلال وجودنا في الحياة نركض خلف تفاصيلها ونتوه في زيفها لكننا نستيقظ وندرك ونتألم عندما نفقد عزيزاً رحل بلا عودة عندما تتبدل ملامح الزمن ويتقدم العمر بمن نحب عندما نتأكد بأن الحياة الافتراضية مجرد خيال عندما نرى سرعة الزمن مخيفة عندما نصطدم بمرارة الواقع عندما نعلم بأن الماضي لا يعود أبداً فالفقد
هو أقسى ابتلاء يمر به الإنسان أن يرحل من أحببناهم بصدق أولئك الذين نقشوا محبتهم في قلوبنا ومضوا دون رجعة ومع ذلك تبقى ذكراهم حاضرة تتردد بين أضلعنا تسكن تفاصيلنا وتحيا معنا في كل لحظة أماكنهم الشاغرة لا يملؤها أحد وحنيننا لهم لا يخبو مهما طال الزمان حين نفقد يتعرض القلب لمجازر لا ترى طعنات تمزقنا بصمت تملأنا يأساً واكتئاباً وتغرقنا في التفكير بكل من غادرنا نتساءل بألم متى كان آخر لقاء؟ ماذا دار بيننا؟ هل كان وداعنا لائقاً بحب عزيز رحل؟ هل قلنا لهم ما يجب أن يقال؟ أم أن الكلمات ماتت في صدورنا؟
كم هي قاسية لحظات الندم حين نقف على قبور أحبتنا نسترجع تفاصيل لم نعطها قيمتها ونبكي على زلات لم نغفرها لذلك ولأجل من نحبهم وهم بيننا اغفروا لهم تجاوزوا عبروا عن حبكم فالحياة قصيرة واللحظة التي تذهب لا تعود والماضي لا يعود لكنه يسكن فينا يعيش في نظراتنا في أعيننا التي تفتقد وفي قلوب لم تبرأ وها هو شريط الذاكرة يعيدنا إلى الوراء لا ليعذبنا بل ليذكرنا بأن الحياة زائلة وأن البقاء الحقيقي للقلوب الطيبة للأثر الجميل
الحياة غرور وبريقها زائف ومن انشغل بها فقد ضيّع نفسه لكن من تجهز للقاء الله وتذكر أنها لحظات فقد عرف معنى الفوز الحقيقي فمن رحلوا لم يغادروا حقاً بل بقوا في أرواحنا يضيئون ظلام الوحدة ويمنحوننا قوة نواجه بها الحياة والنجاح الحق هو أن نحيا ونحن نعد الأيام للقاء أجمل حيث لا وجع ولا فراق
ولأن الله لطيف بعباده وهبنا الأمل والنسيان خيطان رفيعان نتمسك بهما حين تضيق بنا الحياة حين نيأس يولد فينا الأمل ونشعر بالحياة من جديد وكأنها تولد في أرواحنا مرة أخرى فالشغف والأمل ومواجهة الأيام وإشغال النفس بكل جميل ومفيد هي الأسلحة التي نحملها في وجه جيوش الأحزان لنحيا ولا ندع الحزن يسرق منا نور الحياة
أكتب هذا المقال لنفسي ولكل من فقد وأصبح الحزن يجتاح قلبه لكل من عانى أكتب عني وعنكم عنا جميعاً دعوه يسكن قلوبكم لعله يكون بلسماً في زمن الحزن أو يهمس لكم بأنكم لستم وحدكم وأننا جميعاً نرجو لقاء لا فراق بعده
نمضي في دروب الحياة وقلوبنا معلقة هناك حيث تركنا أحبتنا حيث اشتد الحنين حيث لا يطفئ الشوق سوى اللقاء وسنواجه الحياة بكل صمود وشغف وإيمان سنرضى بقضاء الله وقدره ونحمده على ما كتب لنا ونكون شاكرين في السراء والضراء راضين بحكمته التي لا تخيب
أسأل الله العلي القدير أن يرحم أبي وأمي واخواتي وأحبابى ويغفر لكم ويجمعني بكم في الفردوس الأعلى









