في المقال السابق تحدثنا عن ماهية الجريمة وأركانها، واليوم نكمل “الروشتة” العملية التي تساعد أي شخص عادي على فهم متى يصبح الفعل جريمة، ومتى يتحول إلى مجرد خطأ مدني أو موقف لا عقاب عليه.
أولًا: متى يعاقبك القانون؟
ليس كل خطأ يُعاقب عليه القانون الجنائي.
القانون لا يهتم بالأخلاق أو المجاملة أو “العيب”، بل يهتم بثلاثة أمور فقط:
- وجود نص قانوني
لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
يعني ببساطة:
ما لم يجرّمه القانون صراحة، لا يمكن معاقبتك عليه.
- سلوك مادي واضح
القانون لا يحاسب على النوايا وحدها.
لا بد من فعل ظاهر: ضرب – تزوير – سرقة – تهديد – إتلاف.
أما مجرد التفكير أو الغضب الداخلي فليس جريمة. - قصد أو خطأ
إما أنك فعلت الشيء عمدًا،
أو فعلته بإهمال أدى لضرر.
ثانيًا: الفرق بين العمد والخطأ
هذه نقطة يفشل كثير من الناس في فهمها، وهي التي تغيّر مصير القضية بالكامل:
- العمد: أنت أردت النتيجة وتوقعتها
مثال: ضرب شخص بسلاح. - الخطأ: لم ترد النتيجة لكن تصرفك كان غير حذر
مثال: قيادة متهورة تسببت في إصابة شخص.
العقوبة هنا قد تنخفض من جناية إلى جنحة فقط بسبب اختلاف النية.
ثالثًا: متى لا تكون مسؤولًا جنائيًا؟
القانون لا يعاقب الجميع بنفس الشكل، فهناك حالات تنتفي فيها المسؤولية:
- الدفاع الشرعي
إذا كان الخطر حالًا ولا يمكن دفعه إلا بالفعل. - حالة الضرورة
تضطر لارتكاب ضرر صغير لتفادي ضرر أكبر. - الإكراه
حين يُجبرك شخص بالقوة أو التهديد الجدي. - انعدام الإدراك
كالجنون أو فقدان الوعي الكامل وقت الفعل.
الفكرة الأساسية: القانون يعاقب الإرادة الحرة، لا الأفعال القسرية.
رابعًا: لماذا تختلف العقوبات لنفس الفعل؟
لأن القاضي لا ينظر للفعل فقط، بل لظروفه:
- سن المتهم
- نية المتهم
- خطورة الوسيلة
- نتيجة الفعل
- السوابق
لهذا قد يُعاقب شخصان على نفس الواقعة بعقوبتين مختلفتين تمامًا.
خامسًا: أهم نصيحة قانونية
أكبر خطأ يقع فيه الناس هو الكلام بعد الواقعة مباشرة.
أغلب القضايا تُبنى على أقوال صاحبها لا على الأدلة.
قاعدة ذهبية:
لا تنكر ولا تعترف ولا تبرر قبل فهم الاتهام قانونيًا.
السكوت ليس إدانة… لكنه أحيانًا طوق نجاة.
الخلاصة
القانون الجنائي ليس قانون الانتقام، بل قانون حماية المجتمع مع ضمان ألا يُعاقب بريء.
الفهم البسيط له قد يجنّب الإنسان سنوات من النزاع أو حكمًا قاسيًا بسبب تصرف لحظة.
وللحديث بقية .. ونلتقي في الجزء القادم مع:
متى تتحول المشاجرة إلى جناية؟










